ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
الاسم: موســـى بن أحمد
البلد: ألمانيا
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,ديانات,الأسرة والأصدقاء,ألحان وأنغام,تصاميم,سفر وتجوال,المرأة
أظهر كافة المعلومات
| ► | أغسطس 2011 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 |
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 |
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |
| 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | ||

يقف المفكر العربي عزمي بشارة في صف الثورات العربية، منطلقا من أن المثقف العضوي مرتبط بطموحات الجماهير خصوصا جيل الشباب الذي فجر الربيع العربي. ورافق بشارة هدير الجماهير، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي ثوري وعقلاني في الوقت نفسه، استطاع فيه أن يعمل المبضع في التراكيب الاجتماعية السياسية والفكرية العربية.
وليس غريبا والحالة هذه أن من تابع الثورات العربية يستطيع أن يلمس أن كتبه الأخيرة مثل "أن تكون عربيا في أيامنا" و"المسألة العربية"، إضافة الى مقالاته وخطابه المعروف منذ نهاية التسعينيات مما روج لفكرة "دول المواطنين"، كانت في العديد من الحالات مراجع وبيانات للتغيير استند لها المنتفضون في تحليل الأوضاع التي ثاروا عليها.
الآن، والعيون شاخصة إلى ليبيا واليمن والبحرين، والثورات المحتملة في البلدان العربية الأخرى، يبدو الحوار مع بشارة ضرورة ملحة، خصوصا أنه اشتبك مع الشؤون العامة من خلال التثوير الفكري ضد أنظمة ترى أي تحليل نقدي عملا تحريضيا ضد سيادتها.
| …. |
كما أن اشتباك بشارة في نقد الفكر اليومي يضعه في دائرة الضوء ويجعله مادة خصبة للتحليل، وحتى الخصومة من قبل أنصار الوضع القائم ربما، وهذا ما يجعل هذا الانحياز لقضايا الناس بالعمل اليومي تورطا وتضحية من المفكر لهما ثمن. فمن الأسهل للمثقف العربي البارز أن يجلس ويكتب وينشر فقط، ويتعالى على الخصومات، ولكن كيف يستقيم ذلك مع التنظير للديمقراطية ودور المثقفين.
وإذا اختار المثقف ألا يقف على الحياد في هذه اللحظة التاريخية ولو كلفه الأمر ثمنا، فلا بد أن تتوالى الأسئلة، كيف يستقيم مثلا أن يحمل هذا المفكر لواء العروبة، ثم ينحاز للثورة على القذافي "أمين القومية العربية"، وكيف يدعو بشارة إلى دولة مدنية ديمقراطية لجميع المواطنين، وهو يدرك قبل غيره أن دولا عربية عدة تتكون من فسيفساء إثنية وطائفية ستنفجر إذا أرخت الدولة العربية قبضتها أمام "خطاب الأماني"، فتتهم الأنظمة الفكر الديمقراطي بالتخريب، تخريب التوازنات التي لا يحرسها الا الاستبداد. وتاليا الحوار:
.ما أنجزه التونسيون والمصريون كبير جدا بمقياس التاريخ، فقد استطاع الشباب تغيير رؤوس الأنظمة، ولكن إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية التحولات الاجتماعية الاقتصادية للثورات التاريخية، فما جرى في مصر وتونس ثورات ناجزة أم حركات يمكن الارتداد عليها؟
بشارة: حتى الثورات الناجحة في التاريخ حدثت ضدها ارتدادت أحيانا، لكن ذلك قطعا لم ينقص من كونها ثورات، والسؤال الآن هل ستنجح هذه الثورات في صنع التحولات! وأذكرك هنا بأن الثورة الفرنسية استمرت سنين طويلة، فهي لم تكن مجرد الهجوم على سجن الباستيل، بل تشكلت خلال سنوات طويلة، موجات إثر موجات من الحكام الذين وصلوا إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) في باريس، وغيروا صيغة النظام، ثم حصلت ردة طويلة من النظام الملكي.
ولم تنتشر مبادئ الثورة في عموم أوروبا إلا عام 1848، أي أن الثورة الفرنسية مرت منذ قيامها عام 1789 وحتى العام 1848 بمراحل من الانتصار والارتداد.
يعني أن علينا أن نمر بنصف قرن من التحولات في العالم العربي حتى ينتشر ربيع الثورات والانتصارات الديمقراطية؟
|
" |
بشارة: لا، قطعا لا، لن نمر بنصف قرن ولا حتى بخمس سنوات، لأن طبيعة العصر والمرحلة تختلف، فهناك حاليا مؤسسات دولة، وجيوش حديثة ووسائل اتصال متطورة، وفئات المثقفين والطبقات الوسطى، وصيرورة تشكل الأمم. من المفيد أن نسترجع الثورات الكبرى كي نفهم الثورتين المصرية والتونسية، وإذا أخذنا الأمر من باب الشمولية واتساع وعمق المشاركة الشعبية، وطرحها مسألة نظام الحكم، فسوف نرى أن ما انطلق من تونس ومصر هو ثورات.
حجم المشاركة الشعبية عميق ومتسع، والشعب كله خرج إلى الشوارع وأسمع صوته بوضوح، وخلال مسيرة الثورة همش الشعب الأحزاب القائمة بل واضطرها إلى اللحاق به، كما اضطرت هذه الأحزاب القائمة إلى تغيير ثوبها حتى يقبلها الشعب. لقد كان الشعب هو الذات السياسية الفاعلة في اللحظة التاريخية، لا النظام ولا الأحزاب ولا الطوائف ولا الولايات المتحدة، إن الثورة هي اللحظة التاريخية التي لا يكون فيها الشعب مجازا بل حقيقة ملموسة وذاتا فاعلة وواقعا عمليا.
لقد أطلق كفاح الشباب المارد الشعبي، وما قام به الشعب هو أنه ثوّر النظام والمعارضة معا، أي أن ما حدث هو ثورة شاملة بكل معنى الكلمة، وسوف تعقبها ثورة ثقافية وفكرية أيضا، فمثلا قام شباب الإخوان المسلمين المشاركون بالثورة بتغيير طبيعة هذه الجماعة التاريخية نفسها، وسوف يستمر هذا التغيير برأيي، وحدث هذا أيضا في صفوف حزب الوفد وحزب التجمع وداخل صفوف الناصريين، إنها ثورة شاملة، وأهم عامل فيها هو الشعب نفسه، وليس أميركا ولا أوروبا ولا الرأي العام العالمي ولا المجتمع الدولي.
لقد أعلن الشعب عن نفسه دون وسطاء ولا أيديولوجيا، وفي الحالتين المصرية والتونسية هما ثورتان دون شك، لكنهما تختلفان عن الثورات التاريخية في العالم خلافا لما يعتقد، وذلك لأنها انطلقت أولا بشكل غير مخطط، أي بدأت بحوادث احتجاج وانتهت إلى شيء آخر، وثانيا أنها كانت عفوية وبلا قيادة قبل أن تنتج لها لاحقا قيادتها بالتدريج، وليس واضحا بعد إذا كانت الثورة قد وفقت ببلورة قيادة تمثلها، لأن الثورة بدأت وحققت منجزات بسرعة، ولم يتضح إذا كانت الأحزاب القديمة قد تطورت بما يكفي لتحمل رسالة الثورة ولكي تكون أمينة عليها، يبقى أن تتبلور قيادة الثورة من خلال الثورة الثانية الجارية حاليا، أي بعد رحيل رأس النظام أمام إرادة الشعب، وهي الثورة اليومية لترجمة هذا المنجز إلى تغيير ديمقراطي في قطاعات الدولة والمجتمع المختلفة.
ولكن ألا يعد غياب القيادة والعفوية ضعفا؟ أي جمع هاتين الصفتين مما قد يقود بالتالي إلى إمكانية انعكاس ذلك سلبا على مستقبل هذه الثورات؟
بشارة: هذا يعد عنصر ضعف وعنصر قوة معا، فلو كانت هناك قيادة للثورة منذ البداية لاختلفت الأحزاب عليها وشككت بها، وهذا يعيدنا إلى مرضية الحياة الحزبية في ظل الأنظمة العربية، لأن الأحزاب العربية تقصي بعضها بعضا، وكل طرف يشكك بالآخر، مما يشكل عائقا أمام هذه الأحزاب في أن تعمل معا. وعنصر القوة في غياب قيادة وتركز المبادرة بأيدي الشباب، وما أطلق عليه "الثوار"، هو الذي مكن من الوحدة حول الثورة.
| . |
ولك أن تتخيل لو أن هذه الثورات قادها القوميون، إذن لما شارك فيها الإخوان المسلمون، وفي المقابل لو قادها الإخوان المسلمون لما شارك فيها أكثر من نصف المجتمع، إذن لم يكن هناك بد من ألا يقود الثورات إلا الشباب، ومن هنا تبع أهمية تعبير "الشباب" الذي انتشر أيضا للتدليل على ان المقصود ليس حزبا بعينه.
ولكن هذا يتركنا في مأزق، إنه سؤال الاستمرارية، بمعنى إذا كان الشباب ليس منظما، على الأقل في البداية، الآن: ما الذي يضمن أن تستمر هذه الثورات وتحقق فعلا تحولاتها النوعية؟
بشارة: هناك شيء يمكن أن نسميه "روح الثورة"، تغلغل داخل المؤسسات، فأصبح الناس يشعرون بأنهم أمينون عليه. وبالتالي تحقق شيء عزيز على النفوس أشعر الناس بالكبرياء والاعتزاز معا، كما أشعر الناس أنهم حماته، وهذا أمر حصل قطعا في تونس ومصر.
لقد مرت لحظة تاريخية في تاريخ الشعبين المصري والتونسي -لا تحلل اقتصاديا- وهم يشعرون بالكبرياء بسببها، وهو نوع من الوطنية، إنه شعور عام بالانتماء للوطن، وهو أهم ضمان للثورة، ويجب أن يبني شباب الثورة عليه لكي يطرحوا قيادات أمينة لمبادئ الثورة، ولكي لا تحتوى من جديد من قبل أشخاص وقوى من فلول النظام. المهم الآن هو طرح رؤية الثورة بشكل منظم ومثابر ومحاسبة التطورات والإجراءات بموجبه.
ألا يحتاج الأمر وجود ميكانيزمات تترجم هذا الشعور العام، خصوصا في ظل الخشية من ترهل الأمور مجددا أو من خطر ثورات مضادة؟
بشارة: نعم، الأمور أكثر تعقيدا وتحتاج إلى تخطيط وإستراتيجيات وأحزاب، وينبغي تطوير الشعور العام، مثال على ذلك الاقتصاد والقضاء والجيش، ينبغي وجود خطة بشأن كل قطاع منها، كان بالإمكان الإطاحة بالرأس عفويا، ولكن لا يمكن حكم البلاد عفويا، وإذا لم يتوفر جسم منظم لديه فكر وإستراتجية للقيام بتغيير تدريجي ولكن مثابر، فسوف تستمر بالحكم عناصر النظام السابق المنبثة في كل قطاع من قطاعات الدولة والمجتمع.
إن أي نظام مقبل ينبغي أن تكون لديه خطة بشأن الجيش ودوره، وهذا يحتاج إلى إستراتيجية وحزب وأفراد وضباط يدخلهم إلى المؤسسة العسكرية إضافة إلى خلق حالة من التأثير الفكري على المواطنين الذي يرتدون الزي العسكري، وفي الوقت نفسه يجب أن يملك القدرة على التأثير في البرلمان ومؤسسة الرئاسة، كما فعل حزب العدالة والتنمية في تركيا، صحيح أن الأخير جاء إلى الحكم في ظل جيش قوي وعات، لكن الحزب استطاع بالتدريج وبوجود خطة مسبقة أن يعيد الجيش إلى الثكنات، وأصبح الجيش نفسه جزءا من النظام الديمقراطي ومن دون أن يفقد قوته، هنا يلزم أن تكون لمن يتحكم بالسلطة التنفيذية والتشريعية خطة متناسقة تنفذ بالتدريج، هذا غير ممكن من دون تنظيم.
ولا بد أيضا من مراجعة الإستراتيجيات والسياسات المصرية الخارجية والعلاقة مع إسرائيل، ودور مصر تجاه ا
يتعرض المشروع الإسلامي لحرب تشويه تهدف إلى التخويف منه، حتى ينفض الناس من حوله، ولكن حرب التشويه لا تعتمد أساسا على كشف حقيقة المشروع الإسلامي، بل إلى تشويه تلك الحقيقة وإنتاج صورة غير حقيقية عن المشروع الإسلامي، أو بعض تياراته.

نجحت الثورة المصرية في تحقيق أحد أهم مطالبها ألا وهو رحيل محمد حسني مبارك، وخضع الأخير في نهاية المطاف لهذا المطلب الواضح والمحدد والذي لا يحتاج إلى شرح ومع ذلك شرحوه وقالوا: «ارحل يعني امشي يمكن ما بيفهمش».
وبقت أمام الثورة مراحل أخرى كثيرة إذ لا يمكن اختزال ما جرى في مصر في شخص، ولا إصلاحها في زوال الشخص، لأن الحديث كان عن النظام وهو المطلب العريض الذي تفنن الثوار في صياغته وترديده بكلمة جامعة: «الشعب يريد إسقاط النظام»، والنظام بكل تأكيد رأسه مبارك، ولكن أطرافه ممتدة إلى آخرين هنا وهناك وهنالك. وهذا ما يجعل مهمة التغيير شاقة وطويلة.
ولقد نسبت الثورة إلى شباب مصر، كما نسبت التي قبلها إلى شباب تونس، ويشار فيما يمكن أن يليها إلى الشباب. وقد صار الشباب بلا منازع أهم معالم الثورتين. ولكن الذي رأيناه ورآه الناس جميعا أنها ثورة شعب لا ثورة شباب.
لقد شارك في هذه الثورة الشباب إلى جانب الشيوخ بل الأطفال أيضا، وشارك فيها الذكور والإناث، وبالنسبة لمصر شارك المسلمون والأقباط. لقد كانت ثورة شعبية لا ثورة شبابية ولقد ساندها ودعمها كثير من أحرار العالم سواء من زار مصر أو من تظاهر في بلاده تأييدا لمطالب الشعب.
ولئن اشتهر من بين شباب مصر وائل غنيم ونوارة نجم، فإن شيخ الثورة المصرية في تقديري وبلا منازع كان هو الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى.
والشيخ يوسف القرضاوي أحد الذين اضطهدهم النظام المصري في مراحل متفرقة وبمستويات متفرقة. لقد عرف الشيخ السجون والمعتقلات المصرية وهو الذي كان يردد مع إخوانه تخفيفا مما وجدوه من العذاب:
(ليه وليه، عملنا أيه، يا حكومة ظالمة، جرى لك أيه؟
أنا كنت قاعد جُوّا البيت. دخل عليّ كم عفريت
وفتشوني وقالوا: جنيت! يا متهم، قلت لهم: أيه؟!
قالوا لي: أنت من الإخوان. وضبطنا في بيتك قرآن
ومأثورات، وسبحة كمان. مربّي ذقنك. جاوب: ليه؟
بتصلي من غير إذن بوليس؟
وتصوم الاثنين من غير ترخيص؟
وعلى صلاة الفجر حريص؟
والمصطفى بتصلي عليه؟ ليه وليه؟)
والشيخ يوسف القرضاوي هو الذي يرفض الدور البئيس الذي يراد للفقيه أن يظل حبيسا فيه: «ولقد اعتاد المسلمون في عصر التراجع والانحطاط والانحراف وإلى اليوم أن يسألوا الفقه في مسائل الحيض والنفاس والطهارة والصلاة والرضاع والطلاق ونحوها مما يتعلق بالحياة الشخصية للمسلم ولا يسألونه في الأمور الكبيرة التي تتعلق بمصير الأمة وكيانها ورسالتها كما نرى ذلك في عصرنا.
لا يسألونه عن تسلط الحكام والعملاء والخونة أو الحكام الجبابرة المستبدين على شعوبهم المقهورة!
لا يسألونه عن نهب المال العام والإثراء الحرام وتكوين الثروات الضخمة من دماء الكادحين وعرقهم!
لا يسألونه عن تزوير الانتخابات الذي أصبح ظاهرة مميزة لأوطاننا العربية والإسلامية فنحن دون العالم بلاد التسعات الأربع المعروفة (%99.99)!
إنها الأسئلة التي لا يراد للفقه ولا للفقيه أن يشتغل بها، ولا ندري أي مصداقية تبقى للعالِم والداعية إذا لم ينخ
وباستثناء التيار السلفي الذي لا يزال متناقضا في موقفه من الديمقراطية ـ إذ هو يقاوم الاستبداد عمليا ويسوِّغه نظريا ـ فإن هذا الأمر أصبح محسوما في الأدبيات الإسلامية. ولا أتفق مع من يقول إن للديمقراطية "علاَّت عقدية"، فالديمقراطية ليست موقفا عقديا، وإنما هي صيغة إجرائية تسمح لنظام العقائد والقيم في المجتمع بالتعبير عن نفسه بحرية، وبتجسيد ذاته في قوانين وضوابط عملية..
قال الكاتب والباحث الموريتاني محمد المختار الشنقيطي، إن أجواء الحرية وإطلاق العنان للاجتهاد، سيوصل إلى حلول إسلامية لكل المشكلات.ويرى الشنقيطي في هذا اللقاء أن الحركات الإسلامية بحاجة إلى مراجعة رؤيتها السياسية في التغيير، أخلاقيا واستراتيجيا، من رؤية محكومة بالخوف من السلطة والطمع فيها، إلى رؤية محكومة بالأمل في الشعب والسعي إلى تحريره.
نص المقابلة:
** لنبدأ بالموقف من الديمقراطية التي ينزع جل المفكرين الإسلاميين إلى الإيمان بها على علاتها العقدية اسمحوا لنا بداية أن نتساءل: أين مفكرو الإسلام من اتهام البعض لهم بعدم تجاوز الإشكالات التي رافقت بدايات التأسيس للتيارات الإسلامية؟
محمد بن المختار الشنقيطي: لقد حسمتْ كل الحركات الإسلامية السياسية موقفها من الديمقراطية، بتبني الديمقراطية، والاقتناع بأن الشرعية السياسية هي مفتاح الأداء السياسي الجيد والتراكم السياسي المتوازن الذي ينهض بالمجتمعات. وباستثناء التيار السلفي الذي لا يزال متناقضا في موقفه من الديمقراطية ـ إذ هو يقاوم الاستبداد عمليا ويسوِّغه نظريا ـ فإن هذا الأمر أصبح محسوما في الأدبيات الإسلامية. ولا أتفق مع من يقول إن للديمقراطية "علاَّت عقدية"، فالديمقراطية ليست موقفا عقديا، وإنما هي صيغة إجرائية تسمح لنظام العقائد والقيم في المجتمع بالتعبير عن نفسه بحرية، وبتجسيد ذاته في قوانين وضوابط عملية.
والقيم والعقائد تختلف من مجتمع لآخر. فقد يصوت برلمان دولة أوربية لصالح قانون يبيح عمل قوم لوط، بينما يصوت برلمان دولة مسلمة على قانون يحرم ذالك، وتتم كلتا العمليتين بأسلوب ديمقراطي شفاف رغم تناقض النتائج. فنتيجة الديمقراطية في مجتمع مسلم ستأتي بأحكام الإسلام من دون ريب، ونتائجها في مجتمع غير مسلم ستأتي بغير ذلك، ولا يتوقع منها غير ذلك. فالمعركة من أجل الديمقراطية اليوم هي جزء من المعركة من أجل الحياة الإسلامية، والديمقراطية هي الطريق إلى الإسلام، وليست انحرافا عنه.
أما عن عجز بعض الإسلاميين في بعض الدول العربية عن تجاوز مرحلة التأسيس، فهذا صحيح، وهو من أسباب التباطؤ في تطور بعض الحركات الإسلامية. وخذ ـ مثلا ـ قضية العمل السري الذي كان جزءا من تراث الحركات الإسلامية في طور التأسيس، بحكم ظروف القمع التي ولدت فيها تلك الحركات. فالعمل السري لم يعد ضروريا في بعض الدول العربية.
لكن بعض الإسلاميين لا يملكون شجاعة العمل العلني، ومواجهة المجتمع في فضاء مفتوح يمحِّص الكفاءات، ويظهر الخلل وجوانب القصور في حركة التغيير الاجتماعي. بل يميل هؤلاء إلى العمل في الظل، والتحرك تحت جنح الظلام، لأن ذلك أستر للعيوب، وأضمن للابتعاد عن عين الرقيب المتربص من خارج الصف، وعين المحاسب النبيه من داخل الصف.
والعمل في الظلام من خصائص المستبد، كما لاحظ عبد الرحمن الكواكبي، فكتب منذ أكثر من مائة عام في
وللحفاظ على ثمار الثورة التونسية المجيدة، يتعين على التونسيين الانتباه إلى أربعة محاذير: أولها هو الركون إلى السكون بعد رحيل بن علي، وكأن رحيله غاية في حد ذاته، بينما الغاية ليست هدم النظام الفاسد، وإنما بناء نظام العدل والحرية. فإذا ركن التونسيون إلى الدعة اليوم، واعتبروا سقوط بن علي نهاية للثورة، فإن مستبدا آخر سيجني ثمرات كفاحهم لتحقيق أهدافه الأنانية. إن البذور التي سقاها التونسيون بدمائهم الزكية يجب أن لا تضيع سدى، بل يجب أن تثمر ثمار الحرية والكرامة، لقد بذلت أمتنا بحورا من دماء الشهداء في مقاومة الاستعمار، وفي مقاومة الاستبداد، ثم لم تجن ثمرات جهدها وجهادها، وقد آن الأوان للوفاء لدماء الشهداء، وعدم القبول بأنصاف الحلول، أو الوقوف في منتثف الطريق
أخيرا سالت الدماء مدرارة ضد الاستبداد في دولة عربية، في أول ثورة شعبية في منطقنا المكلومة بحكامنا المستبدين، بعد ثورة السودانيين على الجنرال عبود والمشير النميري. لقد برهن الشعب التونسي على شجاعة لا ترهب الموت، وعلى استعداد للتضحية قل نظيره في شعوبنا.
وقد كانت ثورة شعبية مجيدة حقا التحم فيها الشعب بكافة أطيافه حتى إنك لتسمع فيها التكبير وترى صورة تشي غيفارا في المشهد ذاته. وعلى الشعب التونسي الذي فتح الطريق أمام شعوبنا بملحمته الرائعة في مقارعة المستبد حتى فر ذليلا مدحورا، أن يقدم نموذجا آخر في عدم التفريط في دماء شهدائه، من خلال بناء دولة الحرية والعدل والديمقراطية.
فكيف يجني الشعب التونسي ثمار الدماء الزكية التي سالت في معركة الكرامة الدائرة اليوم ضد الاستبداد والفساد، وكيف يحميها من المتسلقين في جنح الظلام؟
إن فلول نظام بن علي المستبد الفاسد لم تستسلم لثورة الشعب، كما لم تيأس القوى الغربية التي اعتادت على العبث بمصائر الشعوب من إمكان التحكم والسيطرة الخفية. وها نحن نعيش اليوم محاولة خبيثة لمصادرة أنبل ثورة شعبية في تاريخ العرب المعاصر، بنفس الطريقة التي تمت بها مصادرة الثورة الديمقراطية في الجزائر مطلع التسعينات، فأغرقت ذلك البلد في بحر من الدماء، ووأدت تطوره السياسي. وقد تلبس الغدر الذي تحاوله فلول النظام البائد في تونس لبوس الحكم الدستوري زورا وبهتانا، وهو أمر لا يجوز للشعب الذي بذل دماءه الزكية في سبيل الحرية أن يقبله.
إن الدستور التونسي ـ على علاته ـ صريح بحكم التعامل مع الفراغ في السلطة، حيث تنص المادة (57) من الدستور على أنه "عند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفاة أو لاستقالة أو لعجز تام يتولى فورا رئيس مجلس النواب مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه ستون يوما… ولا يجوز للقائم بمهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة الترشح لرئاسة الجمهورية ولو في صورة تقديم استقالته… وخلا المدة الرئاسية الوقتية ي
كم كانت الأمة تحتاج إلى ما حدث في تونس ثم مصر، لترى بأم عينيها أنه يمكن التخلص من أعتى المستبدين والطغاة خلال بضعة أيام وبأقل وأهون الأثمان. سلاح أمضى من القنابل النووية في دك عروش الطغاة، وهو سلاح المطالبة السلمية الجماعية.
المطالبة السلمية نزعت من المستبدين والطغاة والحلفاء الغربيين والإسرائيليين أقوى ذرائعهم وحججهم في الحفاظ على الأمن أو مقاومة الإرهاب، والطابع الجماعي أعطى للمطالبات زخمها ومشروعيتها الاجتماعية وحد من فرص وإمكانات قمعها وتطويقها وأمدها بإمكانات واسعة للتوسع والتصعيد والضغط ووضع الغربيين في موضع حرج بين الانحياز إلى حلفائهم ووكلائهم من المستبدين والطغاة وبين فقدان كل مصداقيتهم حيال شعارات الديمقراطية وحرية الشعوب.
هكذا، تمكن الشعبان التونسي ثم المصري من إزالة اثنين من أعتى الأنظمة البوليسية في عالمنا العربي، وفي زمن قياسي للغاية، وبعدد محدود جداً من القتلى قد نرى أكثر منهم يسقطون خلال دقائق في تفجير عبثي في العراق أو في حوادث السير التي تحدث شوارعنا خلال يوم واحد. وهذا العدد المحدود جداً من القتلى اضطر حتى القتلة والمستبدين أن يتملقوا ذكراهم، وأن يتحدثوا عنهم في النهاية بكل إجلال، وأن يطلقوا وصف الشهداء عليهم.
هذا الحراك السلمي الجماعي أفسد على المستبدين والطغاة والغربيين والإسرائيليين كل أسلحتهم المعتادة وقطع الطريق على كل مكرهم ومؤامراتهم وحيلهم، وعرى الكثير من أدعياء الليبرالية الذين تبين أنهم ليسوا أكثر من مرتزقة لدى الطغاة، وأسهمت وسائل الإعلام الحديثة العصية على قبضة الحكومات (مثل الإنترنت) أو الباحثة عن الإثارة والتميز والاختلاف (مثل قناة الجزيرة) في فضح الإعلام الرسمي وتعريته، والحد من قدرة الحكومات على تغييب الحقائق أو تشويه حركة الشعوب أو ارتكاب جرائمها دون شاهد.
وقد كان بالإمكان أن تنجح الثورة المصرية خلال مدة أقل، فتجربة تونس أفادتها، ولكن حسني مبارك كان يسعى بكل ما أوتي من قوة وحيلة إلى تجنب مصير زين العابدين بن علي، وقد توفرت له العديد من الفرص للخروج غير المذل، إلا أنه لم يدرك معنى استيقاظ الشعوب ضمن حراك سلمي جماعي ولم يفهم منطق الثورات السلمية فعاند وتكبر حتى خرج خروج الأذلاء.
هذان الزلزالان اللذان هزا تونس ثم مصر ينبغي أن يزلزلا كل ما في رؤوسنا حول فقه الإصلاح والتغيير. لا جدوى أبداً من العنف والخروج المسلح للتغيير السياسي، فالعنف والخروج المسلح يعطي للمستبدين وكتابهم وفقهائهم وآلتهم الإعلامية وأسلحتهم القمعية كل التبريرات والذرائع والحجج اللازمة لمواجهة التغيير والظهور بمظهر المدافع عن المجتمع والأمن والاستقرار، ويحرم حركة التغيير من المشروعية الاجتماعية التي تحتاج إليها أشد الاحتياج، ويعطي للغرب وإسرائيل مبررهما لدعم المستبدين ومقاومة حركة التغيير وتشويهها.
هذا درس بليغ ينبغي أن تعيه الحركات المسلحة التي تسعى إلى تحقيق غايات وأهداف نبيلة، فعن طريق الجهاد السلمي الجماعي المنظم يمكن أن يتحقق خلال أيام ما لا تستطيع هذه الحركات أن تحققه خلال عقود، بل ربما خ
عظمة ثورتي تونس ومصر، أنهما فقدتا القائد الرمز الذي يفكر نيابة عن الأمة ويخطط نيابة عنها، وأصبحت الأمة بمجموعها واعية بما تريد تدرك أهدافها وتعي مستقبلها. إن أمة هذا شأنها لن تسرق ثورتها ولن تحرف مسيرتها. نعم، ربما تواجه بعض العقبات لأن الخصم الجاثم عليها يملك قوة وعتادا ولكنه لن ينتصر عليها، والمسالة الآن مسألة زمن لن يطول بإذن الله..
(1)
لكل ثورة – أي ثورة - مفاهيمها ومفرداتها وموضوعاتها، فهي تستهدف تغيير العقول بتغيير الثقافة فهي ليست تغييرا في الصورة والشكل فقط بل تغيير عميق في وجدان المجتمع. الثورة الأمريكية وبعدها الثورة الفرنسية كلتاهما تركتا أثرا كبيرا على الشعبين ولازال صداه إلى اليوم، وهذا الأثر انتقل إلى سائر أوربا.
وثقافة الثورة ومفاهيمها تؤخذ من شعاراتها والأدبيات الموجهة لسلوك الثوار ومن بياناتها اليومية وتصريحات قادتها والناطقين باسمها ومن سلوك الثوار. وتزداد هذه الثقافة رسوخا إذا صدرت في صورة دساتير وبيان يلخص أهداف الثورة كما فعلت الثورة الفرنسية حينما أصدرت بيان حقوق الإنسان وكما فعلت الثورة الأمريكية حينما أصدرت إعلان الاستقلال.
ووثائق هاتين الثورتين أصبحت مرجعا للدساتير ومواثيق حقوق الإنسان فيما بعد. أما أبرز المفاهيم التي صدرت عن هاتين الثورتين فمنها فصل الدين عن الدولة وحق حرية التعبير وحق المساواة. ولست بصدد مناقشة ما أنتجته هاتان الثورتان فمنه حق ومنه باطل ولكن غايتي التنبيه إلى أن لكل ثورة ثقافتها الخاصة بها والواجب على العقلاء فحص هذه الثقافة لإقرار ما يصلح والتنبيه على بطلان الباطل مها.
إن للثورة سلطانا على القائمين بها، وهي تمثل لهم مرجعية في الفكر والتصورات. والثورة يمكن أن توصف بأنها فاشلة أو مسروقة أو في أحسن حالاتها استهلكت أغراضها إذا اضمحلت ثقافتها وغاب تأثيرها عن المجتمع.
وفي عصرنا الحاضر، كان للثورة الإيرانية وهج عال عند الشعب الإيراني خاصة وعند الشيعة عامة ورسخت مجموعة من المبادئ والمفاهيم لعل من أهمها عدم انتظار الإمام الغائب والمشاركة في الشأن السياسي العام. ومع ذلك فنحن نشاهد حركة احتجاج داخل المجتمع الإيراني على مبادئ الثورة ولعل هذا يشير إلى أن الثورة بدأت في استهلاك أغراضها.
وهذه الثورة التي انطلقت في مصر وقبلها تونس يتوقع أن تحدث تغييرا ليس فقط في هذين القطرين بل في العالم العربي قاطبة. ومن يشاهد التغيرات التي تحدث الآن في العالم العربي يدرك أن الشعوب العربية مهيأة لما تبثه هذه الثورة من مفاهيم وقيم وأساليب في التغيير الاجتماعي. إننا نشاهد الآن نفس الشعارات وأساليب التغيير ومظاهر الاحتجاج التي رفعت في هاذين البلدين ترفع في أقطار عربية أخرى.
(2)
والثورة حينما تفاجأ من هم خارجها بمطالبها ومفاهيمها وثقافتها يعسر على بعض الناس استيعابها وربما رفضوها وشككوا في جدواها، أو في مشروعيتها. وحينما أقول بعض الناس فأعني به ذوي الرأي من المفكرين والعلماء وأصحاب الثقافة. أما لماذا موقفهم الرافض أو المتردد، فله أسباب لعل أهمها اثنان:
1. أن بعض ما أنتجته الثورة من ثقافة مما لم يألفوه، وكثير من الناس يستنكر ما لم يألفه.
2. أن بعض مطالب الثورة مما يحتاج إلى مغامرة وتضحية، وهم يرون أن المغامرة ربما أفقدت أصحابها بعض ما نالوه من حقوق. ويرون أن الأولى المحافظة على القليل من الحقوق مهما كان حقيرا خير من مغامرة يفقد بها المغامر ما عنده، ولاسيما أن وعود الثورة ليست مضمونة ومكاسبها لا يعول عليها.
وهؤلاء الرافضون ينسون فساد الوضع القائم والمفاسد العظيمة الناتجة عنه.
ولابن خلدون رحمه الله تعليل جيد لمثل هذه المواقف ذكره في مقدمته يحسن إيراده هنا. فهو يرى أن من استسلم للذل والاستعباد يكون عاجزا عن المدافعة ومن باب أولى يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة.
والثورة تقتضي من أصحابها رفض الوضع المهيمن والتمرد عليه، وهم يرون أنفسهم أعجز من أن يقوموا بذلك، يقول ابن خلدون:" المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها، فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة.
واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكها كيف عجزوا عن ذلك، وقالوا إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، أي يخرجهم الله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا وتكون من معجزاتك يا موسى.
ولما عزم عليهم لجوا وارتكبوا العصيان وقالوا له "اذهب أنت وربك فقاتلا"، وما ذلك إلا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة كما تقتضيه الآية وما يؤثر في تفسيرها، وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما رئموا من الذل للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة، مع أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان بما اخبرهم به موسى من أن الشام لهم وأن العمالقة الذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدره لهم، فقصروا عن ذلك وعجزوا، تعويلا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة لما حصل لهم من خلق المذلة وطعنوا فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك وما أمرهم به، فعاقبهم الله بالتيه وهو أنهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران ولا نزلوا مصرا ولا خالطوا بشرا كما قصه القرآن لغلظة العمالقة بالشام والقبط بمصر عليهم لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه، ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الإحكام والقهر، ولا يسام بالمذلة، فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب. ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر، سبحان الحكيم العليم"
ولا يخفى أن الفكر مقدمة للسلوك والعمل ولهذا جاز لنا أن ننقل ما ذكره ابن خلدون عن العمل والسلوك إلى الفكر والرأي ونطبقه عليه. ومن قام بعمل فإنه يحدث نفسه ويتصوره في ذهنه قبل أن ينفذه في الواقع.
(3)
الثورة المصرية التونسية مقدمة لتحولات ثقافية ضخمة في المنطقة ومؤذنة بمسار تاريخي جديد سوف تشهده شعوبها وسوف يتغير به وجه التاريخ في المنطقة.
إن ما حصل في تونس وفي مصر هو تغير في حالة الوعي الجمعي والإرادة الجمعية، وهذا هو أعلى درجات التغير. وكان التغير في السابق تغيرا في النخب، فالنخبة هي من يعي وهي من يريد ولذلك يسهل تجاوزها وتهميشها أو اصطلامها أو تهجيرها إن لم تسندها قوة سياسية أو عسكرية، أما في الحدث الراهن فإننا نشهد تغيرا في وعي عموم الشعب ، ونشهد أيضا أن الشعب خرج ليعبر عن وعيه، وقدم التضحيات من أجل هذا الوعي.
إنها حالة غير مسبوقة في العالم العربي في العصر الحديث. في الماضي شهدنا مظاهرات يدعو إليها زعماء أو أحزاب فيستجيب لها قطاع عريض من الشعب وربما ضحى استجابة لتوجيهات القيادة، وهذه حالة مختلفة لأن إرادة الجماهير مرهونة بإرادة القائد ووعيها تبع لوعيه، فالقائد هو من يرسم لها أهدافها وخطواتها المستقبلية أما هي فتنفذ.
ويمكن القول إن وعيها متخلف عن فعلها، ووعيها بشخصية القائد أكثر من وعيها بما تريده هي. ولهذا تجدها بعد فترة ربما جعلت من القائد صنما أو شبيها بالصنم، وأصبحت مستعبدة له، ويصدق عليها قول الله عز وجل عن فرعون وقومه:"فاستخف قومه فأطاعوه".
إن عظمة ثورتي تونس ومصر، أنهما فقدتا القائد الرمز الذي يفكر نيابة عن الأمة ويخطط نيابة عنها، وأصبحت الأمة بمجموعها واعية بما تريد تدرك أهدافها وتعي مستقبلها. إن أمة هذا شأنها لن تسرق ثورتها ولن تحرف مسيرتها. نعم، ربما تواجه بعض العقبات، لأن الخصم الجاثم عليها يملك قوة وعتادا ولكنه لن ينتصر عليها، والمسالة الآن مسألة زمن لن يطول بإذن الله.
هذه الثورة أطلقت عددا من المفهومات الثقافية وهي الآن تنداح في الوعي الجمعي العربي من المحيط إلى الخليج، تماما كدوائر الماء التي تنداح في البحر الخضم متصلة متعاقبة حتى تبلغ الشاطئ.
مفاهيم الثورة يمكن إدراكها من شعاراتها ووسائلها التي استخدمتها في تحقيق أهدافها وسوف أعرض فيما يلي عددا منها.
(4)
لعل أكثر شعار ردده المتظاهرون في مصر هو شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهذا الشعار متوقع لأن هذا هو شأن الثورات جميعا فهي تريد إسقاط النظام. والتحدي الذي يواجه الثورة في مصر وتونس هو إعادة بناء النظام. وبعض الثورات تنجح في إسقاط النظام، ولكنها لا تنجح في بناء النظام الذي تريد، وبعض الثورات عند أصحابها قصور في الفهم فتسقط طاغية ظالما وتضع بدله ظالما آخر، أو تؤسس لنظام حكم مستبد يسومها فيما بعد سوء العذاب.
إن الأنظمة التي تفتقد المحاسبة هي مشاريع لأنظمة مستبدة ظالمة مهما كان أصحابها صالحين فضلاء. ولهذا وجدنا الخلفاء الراشدين جميعا يؤكدون على حق الشعب في محاسبتهم لأن المحاسبة هي ضمانة منع استبداد الحاكم، مثلا، أبوبكر رضي الله عنه قال في خطبة البيعة: "إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أصبت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني".
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبته:" ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم علي ألا أجتبي شيئا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه ولكم علي إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه ولكم علي أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى، وأسد ثغوركم.. فاتقوا لله عباد الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي علن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم".
ومن مفاهيم بناء النظام التي جلبتها الثورة، فأصبحت حاضرة في وعي الشعب أن الشعب له حق اختيار من يمثله واختيار من يحكمه. وإذا كان هذا حقا من حقوقه فله حق حجبه عمن يشاء ممن يسيء استخدام هذا الحق.
إننا نلاحظ أنه في الأنظمة المتسلطة المستبدة استقر في وجد
بقلم أحمد الريسوني
للأسف لا يريد الرئيس أن يفهم إلا بعد فوات الأوان…
هل سننتظر منه خطابا ثانيا، ثم خطابا ثالثا، كما فعل زميله، الذي كان على يمينه فأصبح على شماله، زين العابدين بن علي …؟
يا فخامة الرئيس، ويا رئيس الفخامة:
شعبك الكريم كانت له مطالب كثيرة متراكمة منذ ثلاثين سنة، واستمر في مطالبه بدون جدوى إلى غاية يوم 25يناير الجاري…
لما يئس الشعب من تلبيتك لأي من مطالبه التي وصفتَها أنت بالمشروعة، اختصر مطالبه كلها في مطلب واحد لا غير.
مطلب شعبك اليوم لم يعد يحتاج إلى اجتماعات ولا مداولات، ولا يحتاج إلى جهود ولا حشود، ولا يحتاج إلى ميزانيات ولا مخططات، ولا يحتاج إلى إقالة حكومة ولا تأليف حكومة جديدة.
شعبك يرى بوضوح أنك متعب منهك، وأنك عاجز عن تلبية شيئ من مطالبه الثقيلة على نفسك وعقليتك.
لذلك ألغى الشعب مطالبه كلها، ولم يعد يطلب منك اليوم سوى الخلود إلى الراحة؛ يريدك أن تستريح منه ويستريح منك، يريدك أن تتنحى لا غير.
منذ سنوات وأنت تسمع الناس يهتفون قائ

كيف ترى وعود ثورة تونس؟
الثورة المباركة في تونس تبشِّر بكل خير على مستوى مستقبل البلاد، الذي لن يعود بحول الله إلى الوراء، وهو منفتح على مستقبل ديمقراطي يستوعب جميع مكونات الساحة السياسة التونسية والاجتماعية والثقافية، كما أنَّ للثورة تأثيرًا في المنطقة والعالم من حيث الأمل في التغيير، وذلك ما لم تُبادر الأنظمة القمعية إلى مراجعة سياساتها باتِّجاه الاعتراف بإرادة شعوبها في التحرر.
النظام الذي حكم تونس بالحديد والنار، تبيَّن أنه أهون من بيت العنكبوت ما هو تعليقكم؟
لم تكن هناك مؤسسات في عهد ابن علي، وإنما هناك نظام أمني تسلُّطي، يأمر فيُطَاعُ. وبمجرد أن أعلنت مؤسسة الجيش رفضها تنفيذ أمر الرئيس المخلوع بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، التي تصرفت باعتبارها مؤسسة وظيفتها حماية الدولة والوطن، وليس حماية عصابة مافيا ثارت عليها الجماهير، تهاوَى بُنْيان العنكبوت، وتولَّت مؤسسة الجيش حفظ الأمن في البلاد.
هل كان للجيش دور في هذه الثورة، وهل أعْطَى بذلك نموذجًا مشرفًا للجيش التونسي؟
نعم، ولذلك حياها الشعب وأحبها، مع أن لا أحد يتمنَّى لها أن تتورط في الشأن السياسي اليومي، فتجربة العرب مع الأنظمة العسكرية مريرة، وحطت من شأن هذه المؤسسة الهامة.
من وقف وراء الثورة، وما هي الأطراف التي ساهمت فيها من وجهة نظركم؟
لقد انطلقت شرارة الثورة عفوية من سيدي بوزيد، أطلقها الشباب وبخاصة أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، وما لَبِثت أن تفاعلت معها بقية الجهات والقطاعات وفي مقدمتها قطاع المحامين والنقابيين، وكان للأحزاب السياسية دورٌ فاعل في دعم تحركات الشارع، وإن نَأَت بنفسها عن تأطير التحركات لحسابات سياسية لعل أهمها، تفويت الفرصة على النظام في سحق هذه الثورة الاجتماعية أساسًا برفع فزاعة التوظيف السياسي أو خطر الإسلاميين.
هناك من يُلاحظ تدخلات خارجية في تونس، كيف تنظرون لذلك؟
من حيث الأصل نحن نرفض أي تدخُّل خارجي في شؤون بلادنا الداخلية، وزيارة فيلتمان تَتَنَزَّلُ ضمن المساعي الأمريكية لضمان مصالحها في المرحلة المقبلة، ونحسب أن المصالح الإستراتيجية لا يمكن ضمانها مع الحكم الفردي، وإنَّما مع الممثلين الشرعيين للشعب الذين بإمكانهم بناء علاقة سوية مع القوى الغربية، قوامها الاحترام المتبادل والتعاون وتبادل المصالح بعيدًا عن الهيمنة والوصاية ونهب ثروات الشعوب وخيراتها.
ما هو تقييمكم للدور الفرنسي؟
فرنسا تعتبر أن المغرب العربي هو منطقة نفوذها الرئيسية، ولقد استمرَّت في دعم الرئيس المخلوع إلى أن فُوجِئت به في أجوائها طريدًا، يبحث عن مأوى فلَفَظته بعد أن انتهت صلاحيته، وسيكون من الغباء إعادة التجربة، والاعتماد على مُسْتَبدِّين لا يستطيعون حماية عروشهم أمام غضبة الشعوب، فضلاً عن مصالح أسيادهم، وبالتالي على العقلاء إقامة علاقات تعاون مع ممثلين شرعيين للشعب قوامها الاحترام وتبادل المصالح بعيدًا عن الوصاية والهيمنة.
ما هي المراجعات التي ينبغي اتَّخاذها على الصعيد التونسي الداخلي؟
على المستوى السياسي، ستكون هناك قطيعة تامة مع سياسة الاحتكار للسلطة والطغيان وهيمنة الحزب الواحد والفرد، باتِّجاه التأسيس للجمهورية الثانية، جمهورية الديمقراطية والنظام البرلماني والقضاء المستقل والإعلام الحرّ. أما على المستوى الاقتصادي فلا شك أن هناك مراجعاتٍ ستتم في ضوء النتائج الكارثية للسياسات الاقتصادية للنظام السابق، في اتجاه الحفاظ على الممتلكات العامة الأساسية للدولة والتوزيع العادل للثروة بين الفئات والجهات والمزيد من الشفافية ومقاومة الفساد والرشوة والمحسوبية.
هل يمكن القول فعلاً لا ظلم بعد اليوم في تونس؟
نأمل ذلك.
كيف تُقيِّيمون العلاقة مع المعارضة؟
هناك تشاوُر مع أصدقائنا في المعارضة، والجهود ماضية في تدعيم مسار الحوار والتشاور بين جميع مكونات الساحة السياسية، من أجل تحقيق الوِفَاق حول مستقبل البلاد، بإقامة حكومة إنقاذ وطني يُشارِك فيها الجميع، عدا الحزب المنحلّ- حزب التجمع الدستوري- الذي قامت عليه الثورة.
ما هو واقع حركة النهضة بعد رحيل ابن علي؟
حركة النهضة حية برجالاتها الذين خرجوا من السجون على دفعات دون أن تلين لهم قناة في مواجهة الاستبداد، وكذلك مئات المهجرين الذين حافظوا على الأمانة في نقائها الإسلامي الديمقراطي المعتدل، وقد أعلنا عن أمين عام للحركة هو المهندس حمادي الجبالي، الذي يقود التشاور والحوار مع جميع الفُرَقاء السياسيين باسم الحركة. حركة تجديد الكيان المنظَّم للنهضة بدأ قبل سنوات، وسيتعزَّز ببركات الحرية التي جاءت بها الثورة المباركة.
بعد كل التضحيات التي تعرَّضت لها حركة النهضة، هناك من لا يزال يشكِّك في انفتاحها؟
الذين يقولون هذا الكلام هم بقايَا النظام السابق، وبعضهم استئصاليون تحالفوا مع الرئيس المخلوع. ومع سقوطه يجب أن تسقط مثل هذه المقولات التي لا معنى لها سوى التهريج السياسي، في حين أنَّ البلاد في حاجة إلى الجدية وروح المسؤولية.
هل سياسة تجفيف الينابيع استهدفت الإسلام أم الحركة أم الاثنين معًا؟
بالتأكي









